ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 5/09/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 5/09/2025 حيث تابع الحديث عن غزوة حنين ومن ذلك ما كتبه سيدنا المصلح الموعود رضي الله عنه حيث قال:
يقول أحد الصحابة لما فر مقدمة جيش المسلمين إلى الوراء نتيجة جبن مسلمي مكة حديثي العهد بالإسلام نفرت رواحلنا، وكلما حاولنا إيقافها اشتدت عَدْوًا. وبينما نحن في ذلك إذ سمعنا دويّ صوت العباس في ساحة القتال وهو يقول: يا أصحاب سورة البقرة، يا مَن بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الحديبية تحت الشجرة، إن رسول الله يدعوكم. ولما وقع هذا الصوت في سمعي ظننت أنني لست حيًّا، بل أنا ميت، وأن صور إسرافيل يدوّي في أذني. فجذبت خطام بعيري بشدة لأوقفه، فالتصق رأسه بظهره، ولكنه كان مذعورًا جدًا، وبمجرد أن أرخيت له الخطام بدأ يعدو إلى الناحية الأخرى عدوًا شديدًا. فأخرجتُ أنا وكثير من أصحابي سيوفنا، وبعضنا قفزوا من رواحلهم، وبعضنا قطعوا أعناقها، وأخذوا يعدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادوا إليه، واجتمع حوله في لحظاتٍ الجيشُ المكون من سبعة الآف صحابي الذي كان يعدو من قبل إلى مكة بشدة. فصعدوا بسرعة على الجبال وقتلوا الأعداء، فانقلبت الهزيمة الخطيرة فتحًا عظيمًا.
عندها فرّ أولئك حديثو العهد بالإسلام الذين كانوا لا يزالون ضعاف الإيمان، وفر كذلك كفار مكة الذين انضموا بدافع القبلية، وبالتالي بدأت خيول وإبل الصحابة بالفرار أيضًا، وتشتت الجيش الإسلامي بالكامل.
وبلغت المصيبة ذروتها حتى لم يبق حول رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى اثني عشر رجلاً، بينما فرّ الباقون من الميدان. عندها أمسك العباس رضي الله عنه بلجام فرس الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: "ليس وقت التوقف الآن، ارجع لنجمع الجيش الإسلامي ونهاجم مرة أخرى". لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنبياء الله لا يولون الأدبار". ثم رفع لجام الفرس، وأمره بالتقدم قائلاً:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ
أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
فبينما كان يتقدم رغم تحدي أربعة آلاف رامٍ، أراد أن يوضح الأمر حتى لا يظن الصحابة أنه إله أو لديه صفات إلهية، فقال: إنني نبي ولست بإله، وأنا فقط ابن عبد المطلب.
عندما حدث هذا وفرح العدو بظنه أنه هزم المسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس رضي الله عنه: نادهم يا العباس. قال أحد الأنصار: "كانت خيولنا وإبلنا تفر بنا، وكنا نظن أنها لن تتوقف. لقد ذعروا من فرار آلاف أهل مكة. كنا نسحب اللجم بقوة حتى تلامس رؤوسها أذيالها، لكنها لم تعد. فجأة سمعنا صوت العباس رضي الله عنه: يا معشر الأنصار! رسول الله يدعوكم. فكأننا سمعنا صوت البعث يوم القيامة. عندها نسينا كل شيء ولم يعد في آذاننا إلا صوت العباس. ذهب كل ضعفنا، فإما استطعنا إرجاع دوابنا، وإلا قطعنا رقابها وسرنا راجلين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هؤلاء هم الذين استفادوا من إيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكما كانت منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله لا يغيب عن عينيه مهما كان الخطر، فقد ظهرت هذه الصفة أيضًا في الصحابة بحسب درجاتهم.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، وقد فر المسلمون، وبقي معه من المهاجرين والأنصار ثمانون رجلاً فقط. فثبتنا ولم نولِ الأدبار، وكان هؤلاء هم الذين أنزل الله عليهم السكينة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، لم يتراجع خطوة واحدة. فلما مالت بغلته، انحنى من على السرج، فقلت: ارفع نفسك يا رسول الله، رفعك الله. قال "ناولني من الحصباء" فناولته فرمى بها إلى وجوهم فلم يبق منهم أحد إلا امتلأت به عيناه ثم قال أين المهاجرين والأنصار؟ قلت: إنهم موجودون هنا، فقال: ادعوهم. فدعوتهم، فجاءوا وهم يحملون سيوفهم في أيديهم اليمنى، فولى المشركون الأدبار وهربوا.
وفي رواية أنه لما فر الناس، بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو مئة رجل، فدعا في تلك اللحظة بهذا الدعاء: (اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان) فقال له جبريل عليه السلام لقد لقنت الكلمات التي لقنها الله موسى يوم فلق البحر.
بالإضافة إلى الصحابة فقد شاركت صحابيات أيضا في هذه الغزوة، واتخذت أُمَّ سُلَيْمٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا فَكَانَ مَعَهَا فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هَذَا الْخِنْجَرُ قَالَتْ اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنْ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ
وفي رواية: جعلت أم عمارة َتَصِيحُ بِالْأَنْصَارِ أَيّةُ عَادَةٍ هَذِهِ مَا لَكُمْ وَلِلْفِرَارِ قَالَتْ وَأَنْظُرُ إلَى رَجُلٍ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ مَعَهُ لِوَاءٌ يُوضِعُ جَمَلَهُ فِي أَثَرِ الْمُسْلِمِينَ فَأَعْتَرِضُ لَهُ فَأَضْرِبُ عُرْقُوبَ الْجَمَلِ. وَكَانَ جَمَلًا مُشْرِفًا، فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ وَأَشُدّ عَلَيْهِ. فَلَمْ أَزَلْ أَضْرِبُهُ حَتّى أَثْبَتّه. وَأَخَذْت سَيْفًا لَهُ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَائِمٌ مُصْلِتٌ السّيْفَ بِيَدِهِ قَدْ طَرَحَ غِمْدَهُ يُنَادِي: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَالَ وَكَرّ الْمُسْلِمُونَ فَكَرّتْ الْأَنْصَارُ. وَوَقَفَتْ هَوَازِنُ حَلْبَ نَاقَةٍ فَتُوحٍ ثُمّ كَانَتْ إيّاهَا، فَوَاَللّهِ مَا رَأَيْت هَزِيمَةً كَانَتْ مِثْلَهَا، ذَهَبُوا فِي كُلّ وَجْهٍ فَرَجَعَ ابْنَايَ إلَيّ - حَبِيبٌ وَعَبْدُ اللّهِ ابْنَا زَيْدٍ - بِأُسَارَى مُكَتّفِينَ فَأَقُومُ إلَيْهِمْ مِنْ الْغَيْظِ. فَأَضْرِبُ عُنُقَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَجَعَلَ النّاسُ يَأْتُونَ بِالْأُسَارَى.
وقد جاء بعض المشركين بنية قتل النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ الذي لما اقترب إلى النبي صلى الله عليه وسلم التفت إليه ووضع يده على صدره وقال: " اللهم أذهب عنه الشيطان ".
ثم قال له: " يا شيبة قاتل الكفار " فقال شيبة: تقدمت حاملاً سيفي وصرت أقاتل بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لو أن أبي وقف أمامي في تلك اللحظة لقتلته.
كذلك خرج النضير بن الحارث بهذه النية وعاد مسلمًا ومحبًّا للنبي صلى الله عليه وسلم.
