ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 12/09/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 12/09/2025، حيث قال:
في سياق ذكر غزوة حنين، يقول الله تعالى في القرآن الكريم: "ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا" والجنود هنا الملائكة، وقد ناقش المفسرون وكتّاب السيرة نزول الملائكة في هذه المعركة بتفسيرات مختلفة، فيرى بعضهم أنه لم يكن إلا تبشير المؤمنين وتقوية قلوبهم، وإلا فإن الملائكة لم تشترك في القتال فعلا.
ولكن هذا الرأي مناف لبعض الأحاديث الصحيحة. فقد ثبت في الروايات الصحيحة أن الملائكة قد اشتركوا في القتال فعلا. غير أن هناك إشكالا وهو أن ملاكا واحدا أيضا يكفي للنصرة، فلماذا نزلت الملائكة آلافا؟
لقد نقل الإمام ابن كثير من الصحيحينِ الأحاديث المتعلقة بنزول الملائكة خلال القتال ثم قال إن إنزال الملائكة وإطلاع المسلمين على ذلك كان تبشيرا للمسلمين وإلا فإن الله كان قادرا على نصرهم بدون ذلك أيضا، ولذلك قال الله تعالى "وما النصر إلا من عند الله".
وقال المسیح الموعود علیه السلام:
"ففي القرآن بشارة مدد الملائكة كي تقرّ قلوب المؤمنين، ولا تأخذهم خيفة في ذلك المأوى. فإنه تعالى وعد المؤمنين وبشرهم بأنه يُمِدُّهم بخمسة آلاف من الملائكة، وما جعل هذا العدد الكثير إلا لهم بشرى، لأن فردا من الملائكة يقدر بإذن ربه على أن يجعل عالي الأرض سافلها، فما كان حاجة إلى خمسة آلاف بل إلى خمسة، ولكن الله شاء أن يريهم نصرة عظيمة، فاختار لفظًا يُفهَم من ظاهره كثرة الممدين، وأراد ما أراد من المعنى."
كتب حضرة المصلح الموعود رضي الله تعالى عنه في التفسير الصغير:
"ذكرت الملائكة فقط لأنّ تلقّي البشرى في المنام أو الكشف يزيد من شجاعة الإنسان، وإلا فإن المقصود الأساسي هو أن الله تعالى سينصرهم"
ويقول حضرته في موضع آخر: "تذكروا جيدًا، من يستعد للموت لا يستطيع أحد أن يقتله. إن الجماعة التي تقبل الموت بصدق هي جماعة الأنبياء فقط. فهل يوجد من يستطيع قتلها؟ كلا، أبدًا. إن السر في الحصول على الحياة الأبدية هو أن يقبل الإنسان الموت من أجل الله تعالى. وعندما يقف إنسان بهذه النية، تقوم ملائكة الله تعالى لإحيائه. فكأنما تبدأ مباراة. الإنسان يبذل جهده لينال الموت في سبيل الله، بينما تبذل الملائكة جهدها لتبقيه حيًا. وعندما يقول عبد الله: أريد أن أموت من أجل الله، تقول ملائكة الله تعالى: لن ندعه يموت، وفي النهاية تنتصر الملائكة. يريد العبد أن يموت، فيضع نفسه في ظروف ينتج عنها الموت، لكنه لا يموت. انظروا إلى واقعة حنين. عندما هاجم العدو وتقدم، لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوى اثني عشر رجلاً، وتفرق الباقون تحت وابل سهام العدو. في تلك اللحظة، قال العباس رضي الله عنه: يا رسول الله، تراجع قليلاً، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب دابته وتقدم قائلاً: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".ففي مواجهة أربعة آلاف رامي سهام، يقول رجل واحد: لن أتراجع من هنا، فهذا ليس إنسانًا يتكلم، بل الله يتكلم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلك اللحظة: "أنا ابن عبد المطلب"، أي: أنا بشر. فلما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أريد أن أموت في سبيل الله، نزلت ملائكة الله تعالى، وتحولت هزيمة حنين إلى نصر، وعاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم منتصرًا من ميدان المعركة.
عندما نادى النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار، عادوا إليه وبدأوا يقاتلون بحماس ونشاط كبيرين. وفي الوقت نفسه، دعا النبي صلى الله عليه وسلم وألقى بيده قبضة من الحصى نحو الكفار، فكان نتيجة ذلك أن بني هوازن، الذين كانوا يدّعون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يواجه قبيلة محاربة من قبل، وأنهم سيُرونه ما هي الحرب إذا واجهوه، وكانوا في الحقيقة من أقوى قبائل العرب، بدأوا ينهزمون ويفرون في وقت قصير، تاركين زوجاتهم وأبنائهم ومواشيهم دون أن يعرفوا عنهم شيئًا. وقُتل العديد منهم على أيدي المسلمين، وأُسر الآلاف منهم. وفرّ عدد كبير نحو أوطاس.
في هذه المعركة، قُتل المئات من بني هوازن. فقد قتل أبو طلحة رضي الله عنه وحده 20 مشركًا. وفي سرية أوطاس، قُتل 300 من المشركين .ورغم فرار بني هوازن، ظل مقاتلو ثقيف صامدين وقاتلوا بشجاعة كبيرة حتى قُتل 70 منهم. وكان آخر حامل راية لهم عثمان بن عبد الله. عندما قُتل، فرّت ثقيف أيضًا. وعندما وصل خبر مقتل عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "أبعده الله عن رحمته، فقد كان يحمل ضغينة ضد قريش." بينما دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة لقاتله، عبد الله بن أبي أمية، وقال عبد الله: "أرجو أن يرزقني الله الشهادة في هذه الحالة." فاستشهد أثناء حصار الطائف.
وبحسب بعض الروايات، قتل عثمان بن عبد الله على يد حضرة علي رضي الله عنه.
في البداية، عندما فرّ بعض المسلمين من ميدان حنين، عاد بعضهم إلى مكة ونشروا أن المسلمين هُزموا، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم -نعوذ بالله- قُتل. ففرح المنافقون ومن في قلوبهم ضغينة في مكة، وقالوا إن العرب سيعودون إلى دينهم القديم. في هذه اللحظة، أظهر عتاب بن أسيد، أمير مكة، شجاعة وبسالة عظيمة، وخاطب أهل مكة قائلاً: "إن قُتل محمد فإن دين الله قائم، والذي يعبده محمد حي لا يموت".
وما هي إلا لحظات حتى وصلت الأنباء من حنين بأن المسلمين انتصروا، وأن بني هوازن هُزموا هزيمة ساحقة وفروا. وكذلك وصلت الأخبار الأولى إلى المدينة. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم نهيك بن أوس رضي الله عنه ليبشر أهل المدينة بالنصر. يروي نهيك قائلاً: انطلقت مساءً، وفي الطريق كان الناس يتحدثون أن جيش محمد صلى الله عليه وسلم هُزم هزيمة لم يُهزم مثلها من قبل، وأن جيش مالك بن عوف تغلب على جيش محمد صلى الله عليه وسلم. فقلت: هذا كله كذب، بل إن الله قد منح نبيه النصر وأعطاه نساءهم وأبناءهم أسرى. ويقول: وصلت إلى المدينة في ثلاثة أيام، ولم أركب بهذه السرعة من قبل، ثم أعلنت في المدينة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بخير بفضل الله، وقد نال المسلمون نصرًا عظيمًا. وعندما غادرت، كان المسلمون قد جمعوا بعض الغنائم وكانوا لا يزالون يجمعون المزيد.
ثم ذهب إلى حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبشرهن بخير وسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكر الجميع الله وفرحوا.
وفي ختام الخطبة، ذكر أمير المؤمنين نصره الله أنه سيصلي الغائب على بعض المرحومين وذكر نبذة من حياتهم.
