ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 19/09/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 19/09/2025، حيث تابع الحديث عن غزوة الطائف وقال:
على الرغم من غدر أهل الطائف وقتلهم لمبعوث رسول الله، لم يتخل صلى الله عليه وسلم عن محاولات الصلح. فأرسل إليهم حنظلة بن الربيع رضي الله عنه. وعندما اقترب من الحصن وأرسل رسالة للحوار، خرج بعضهم. فقال لهم حنظلة: "هل تريدون الصلح أم لا؟" فهاجموه وحاولوا أسره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ينقذ حنظلة سيكون له أجر جميع المجاهدين". فهرع العباس رضي الله عنه وأنقذه، وعاد به سالمًا.
كانت لأهل الطائف وهوازن علاقات عائلية واقتصادية مع أهل مكة، لاسيما قريش، لذا، دخل أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما إلى الحصن لمحاولة الصلح، فلم ينجحا، لكنهما نقلا طلب أهل الطائف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألا يُتلف كرومهم من أجل الله وصلة الرحم. وقد استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الطلب.
لقد أبدى النبي صلى الله عليه وسلم تسامحًا عظيمًا وصبرًا رغم طول الحصار، الذي كان بمثابة استراتيجية حربية يمكن أن تميّل الكفة لصالح المسلمين. لكنه عندما طلبوا بحق الله وصلة الرحم، قبل طلبهم رغم أنه كان ظاهريًا خسارة حربية كبيرة.
في هذه المناسبة، أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن أي عبد ينزل من أسوار الحصن وينضم إلى المسلمين سيُعتق. فنزل ثلاثة وعشرون عبدًا وانضموا إلى المسلمين، مما أثار استياء أهل الطائف. أعتق النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء جميعًا، وأعطى كل واحد منهم إلى مسلم ليكفله ويتولى رعايته وأوصى بتعليمهم الدين تعليمًا حسنًا. وبعد فترة، عندما أسلم أهل الطائف، طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم إعادة هؤلاء العبيد إليهم، لكنه رفض طلبهم.
في إحدى المناسبات، طلب عيينة بن حصن الفزاري من النبي صلى الله عليه وسلم الإذن لدخول الحصن ودعوة بني ثقيف إلى الإسلام.
كان زعيم بني فزارة في غزوة الأحزاب مع الكفار، وبعد هزيمتهم خطط لمهاجمة المدينة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم خرج لصد هجومه وأجبره على التراجع. أسلم قبل فتح مكة وشارك فيه، وكذلك في غزوتي حنين والطائف. لكنه في عهد أبي بكر رضي الله عنه انحاز إلى فتنة الردة وبايع مدعي النبوة طليحة. وبعد هزيمته وسجنه، أبدى ندمه، فعفا عنه أبو بكر وعاد إلى الإسلام، قائلاً إنه لم يكن مؤمنًا حقًا من قبل. كان عيينة شخصية متعجرفة، ومع ذلك كان قائدًا ومقاتلاً بارزًا في قبيلته. وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بـ"الأحمق المطاع"، أي أنه قائد مطاع لكنه أحمق.
أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْنًا لِعُيَيْنَةَ، فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِ الْحِصْنِ وَقَالَ لِبَنِي ثَقِيفَ (بَدَلًا مِنْ دَعْوَتِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ): "تَمَسَّكُوا بِحِصْنِكُمْ بِشِدَّةٍ، فَحَالُنَا أَسْوَأُ مِنْ حَالِ الْعَبْدِ".
عِنْدَمَا رَجَعَ عُيَيْنَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَأَلَهُ: "مَا الَّذِي قُلْتَ لَهُمْ؟". فَقَالَ: "قُلْتُ لَهُمْ إِهْدَاءً إِلَى الْإِسْلَامِ، وَدَعْوَةً إِلَى الدِّينِ، وَأَخَفْتُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأَرْشَدْتُهُمْ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّة" (وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ بِالْوَحْيِ)، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْتَ تَكْذِبُ، قَدْ قُلْتَ لَهُمْ كَذَا وَكَذَا!"، وَكَرَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعَ مَا قَالَهُ عُيَيْنَةُ هُنَاكَ. فَعِنْدَمَا سَمِعَ ذَلِكَ عُيَيْنَةُ، قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ صَادِقٌ. أَسْتَغْفِرُكَ أَنْتَ وَاللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذلك".
نَظَرًا لِوَضْعِ الْحِصَارِ، اسْتَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدَّيْلِيَّ رضي الله عنه، فَقَالَ: "هَذَا كَالثَّعْلَبِ الَّذِي انْدَسَ فِي جُحْرِهِ، إِنْ قُمْنَا عَلَيْهِ أَخَذْنَاهُ، وَإِنْ تَرَكْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُوَّةُ الْأَذَى". عَلَى هَذَا، قَرَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْهَاءَ الْحِصَارِ، وَأَمَرَ عُمَرَ رضي الله عنه بِإِعْلَامِ النَّاسِ: "إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا نَرْجِعُ".
يبدو أن الله تعالى أعطى إرشادًا خاصًا للنبي صلى الله عليه وسلم فرفع الحصار. وإلا فهذه أول مرة في حملاته يترك فتحا مهما وضروريا ناقصا ويرجع. ما كتبه المفسرون والرواة أنه في معارك أصعب نصره الله نصرًا غير عادي كفتح بني قريظة وخيبر وكيف ننسى مثال حنين حيث كان بعض أهل مكة على يقين بهزيمة النبي صلى الله عليه وسلم وكان بعضهم يتبعه ليشهدوا هزيمته. لكن حينئذ أعطى الله تعالى الهزيمة المؤكدة فتحًا مذهلا وتاريخيا. وفي الطائف كان الجيش الفار والمهزوم مختبئا. في ضوء هذه الأمثلة القديمة لنصر الله لم يكن فتح الطائف أمرا صعبا أو مستحيلا. لكن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن إنهاء الحصار فظهر لنا هنا جانب مضيء جدا من سيرته وهي أن حملته العسكرية لم تكن بسبب هيجان نفساني ولا للحصول على الغنائم أو فتح الأراضي بل كانت كل حركة وسكون وقول وفعل منه تابعا لمشيئة الله العليم الخبير. وكانت حياته كلها مطابقة لقوله تعالى: " قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".
فِي حِصَارِ الطَّائِفِ، حَدَثَتْ حادثتان تُبَيِّنَانِ بِوُضُوحٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمر مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِإِنْهَاءِ الْحِصَارِ، فَأَعْلَنَ إِنْهَاءَهُ فَوْرًا. فِي هَذا السياق، يُذْكَرُ حُلْمٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَدْ كَتَبَ ابْنُ هِشَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِـأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه: "يَا أَبَا بَكْرٍ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ الْيَوْمَ أَنَّ إِنَاءً مَمْلُوءًا بِالْزبدِ أُهْدِيَ إِلَيَّ، ثُمَّ نَقَرَهُ دیك فَأَسْقَطَهُ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: "تَفْسِيرُهُ أَنَّكَ لَنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الْمَرَّةَ عَلَى مَا تُرِيدُ مِنْ ثَقِيفَ" [أَيْ لَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْحِصَارِ النَّتِيجَة الَّتِي نَفَكَّرُ فِيهَا، أَيْ الْفَتْحُ]. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَأَنَا أَظُنُّ أَيْضًا أَنَّ الْحُصُولَ عَلَيْهِ مُسْتَحِيلٌ". وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ، زَوْجَةَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رضي الله عنهما، قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَعْطَاكَ اللَّهُ فَتْحَ الطَّائِفِ، فَهَلْ تُعْطِينِي زِينَةَ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَان أَوْ فَارِعَةَ بِنْتِ عَقِيلٍ؟"، لِأَنَّهُمَا كَانَتَا أَعْلَى نِسَاءِ ثَقِيفِ مَالًا وَزِينَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا خَوْلَةُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لِي فِي فَتْحِ ثَقِيفَ؟". خَرَجَتْ خَوْلَةُ وَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِـعُمَرَ رضي الله عنه، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَقُولُهَا خَوْلَةُ؟ تَقُولُ إِنَّكَ قُلْتَ لَهَا كَذَا؟". فَقَالَ: "نَعَمْ، قُلْتُ ذَلِكَ". فَفَهِمَ عُمَرُ فَوْرًا وَقَالَ: "هَلْ أُذِنَ لَكَ فِيهِمَا؟". فَقَالَ: "لَا". فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: "فَهَلْ أَقُولُ لِلنَّاسِ أَنْ يَرْحَلُوا؟". فَقَالَ: "نَعَمْ".
عِنْدَمَا أُعْلِنَت الْعَوْدَةُ، قال بَعْضُ النَّاسِ: "أنَرْجِعُ مَهْزُومِين؟. فذَهَبُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهمَا لِيَطْلُبُوا مِنْهُمَا أَنْ يَتَوَسَّلا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لموَاصَلَةِ الْحِصَارِ حَتَّى الْفَتْحِ، لَكِنَّهُمَا قَالَا: "مَا قَرَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الصَّوَابُ". فَذَهَبَ هَؤُلَاءِ الشَّبَابُ الْمُتَحمسون بِأَنْفُسِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا بِعَاطِفَةٍ شَدِيدَةٍ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَنَقَاتِلُ!". فَقَالَ عَلَى رَغْبَتِهِمْ: "حَسَنًا، غَدًا صَبَاحًا قَاتِلُوا". فَخَرَجُوا غَدًا لِلْقِتَالِ، فَلَمْ يَحْصُلُوا إِلَّا عَلَى الجُرُوحٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا نَرْحَلُ". فَأَعْرَبُوا عَنْ سُرُورِهِمْ، فَلَمَّا رَأَى تَغْيِيرَ رَأْيِهِمْ، تَبَسَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
