ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 26/09/2025



 بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تيلفورد، في 26/09/2025، حيث قال:

عندما قسم النبي ﷺ غنائم حنين وأعطى المجاهدين حصصهم، كاد يوزع الخمس بالكامل على المؤلفة قلوبهم من سادات قريش والعرب، فَطَفِقَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنْ الْإِبِلِ وبعضهم الخمسين منها مما أثار شعورًا لدى بعض شباب الأنصار، حيث اعتقدوا أنهم، بسبب خدماتهم وحبهم لرسول الله ﷺ، كانوا أحق بهذا المال، فَقَالُوا:"يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ". فلما بلغ ذلك النبي ﷺ، دعا سعد بن عبادة رضي الله عنه، رئيس الأنصار، وبعض الروايات تقول إنه هو من نقل هذه الأقوال. فسأله ﷺ: "فأين أنت من ذلك يا سعد؟" فقال سعد: "يا رسول الله، أنا واحد من قومي". فأمره النبي ﷺ أن يجمع الأنصار، فاجتمعوا في خيمة. وحضر بعض المهاجرين، فأمر النبي ﷺ بإرجاعهم، قائلًا إنه دعا الأنصار فقط. ثم خاطب ﷺ الأنصار قائلًا: "يا معشر الأنصار، ما هذا الحديث الذي بلغني عنكم؟" فقال حكماء الأنصار: "يا رسول الله، لم يقل شيئًا من ذلك عقلاؤنا، لكن بعض الشباب المتحمسين قالوا: ليغفر الله لنبيه، فإنك تنعم على قريش ونحن محرومون من عطائك، بينما تسيل الدماء من سيوفنا على الأعداء". فذكّر النبي ﷺ الأنصار بأفضاله عليهم، قائلًا: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضالين فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟ فكان الأنصار يردون على كل جملة: "الله ورسوله أمنّ" أي أكثر منًّا وفضلًا، ثم قال النبي ﷺ: "ألا تجيبونني؟" فقالوا: "يا رسول الله، وماذا نجيب؟" فقال: "لو شئتم لقلتم -وصدقتم وصُدِّقتم-: يا رسول الله، جئتنا مكذَّبًا فصدقّناك، مخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك". فلم ينطق أحد من الأنصار، بل أطرقوا خجلًا. وأوضح النبي ﷺ سبب إعطائه قريشًا، فقال إن الأنصار قد أسلموا من قبل وترسخ الإيمان في قلوبهم، بينما أسلم معظم قريش حديثًا يوم فتح مكة، وبعضهم لم يسلم بعد، فكانوا أحق بصلة الرحم والعطاء ليترسخ الإسلام في قلوبهم. كما أن قريشًا خسرت الكثير في الحروب، فكان مقصده تأليف قلوبهم ليدخلوا الإسلام كليًا. ثم قال ﷺ:

"ألا ترضون أن يرجع الناس بالغنم والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ والله، الذي ترجعون به خير مما يرجعون به".

وقال: "لو سلك الناس واديًا أو شعبًا وسلك الأنصار واديًا أو شعبًا، لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم. الناس شعاري، والأنصار دثاري"

 ثم قال: "يا معشر الأنصار، سترون بعدي أثرة عليكم، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" (أي يوم القيامة). وختم ﷺ بدعاء للأنصار: "اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار". يقول الراوي: كان الأنصار يبكون أثناء خطاب النبي ﷺ حتى ابتلت لحاهم بدموعهم، وهم يقولون: "رضينا برسول الله قسمًا وحظًا".

أثناء توزيع غنائم حنين، تجمع بعض البدو حول النبي ﷺ وأخذوا يطالبون بالمال. وبسبب ازدحامهم، علقت رداء النبي ﷺ الشريف بشجيرة شائكة، وحدث بعض التدافع، فقال النبي ﷺ: "ردوا عليَّ ردائي"، ثم أشار إلى الأشجار الشائكة وقال: "لو كان عندي من الإبل بعدد هذه الشوك، لقسمتها بينكم، وما وجدتموني بخيلًا ولا كذابًا ولا جبانًا". ولم يوبخ النبي ﷺ البدو على هذا التصرف غير المهذب، ولم يغضب منهم، بل ابتسم وأصلح سلوكهم بأحسن أسلوب، وأعطاهم من المال أيضًا.

ذكر المصلح الموعود رضي الله عنه هذا الحادث قائلًا: بعد التفرغ من هذه الغزوات، كان على الرسول - صلى الله عليه وسلم - توزيع المال والثروة التي تراكمت من الغنائم والأموال المدفوعة فدية للأسرى. ولو تم الأمر على ما جرت العادة عليه، لتم توزيع الغنائم على الجنود المسلمين الذين اشتركوا في المعركة. ولكن في هذه المرة، وزّع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الغنائم على أهل مكة والمحيطين بها بدلاً من الجند المسلم المشترك في القتال.

كان بعض هؤلاء القوم مسلمين ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، وكان كثير منهم منكرين مجاهرين بالإنكار للرسول - صلى الله عليه وسلم -. والذين أعلنوا إسلامهم كانوا حديثي عهد به، ولم يمارسوا بعد مبدأ إنكار الذات، ولا يعرفون كيف يكون الشخص بعد إسلامه مضحيًّا منكرًا لذاته. وبدلاً من اقتدائهم بالمثل الذي ضربه صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمامهم في نكران الذات والتضحية بها، وبدلاً من رد جميل المعاملة الطيبة التي لقوها من المسلمين؛ فإنهم على العكس أصبحوا أكثر طمعًا وجشعًا، وظلت مطالبهم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - تتكاثر. وشاع بينهم أن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعوا رداءه فقال: لم يبق عندي ما أعطيكم. لو كان عندي شيء لوزعته عليكم. لست بخيلاً ولا خسيسًا.

ثم قام إلى جنب بعيره فأخذ من سنامه وبَرَة، فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها فقال: "أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخُمُس، والخُمُس مردود عليكم".. أي يُنفَق على المصالح العامة.

يقول البعض إن محمدًا رسول الله ﷺ كان يطمح إلى الملك. فهل هكذا تكون علاقة الملوك بالعامة؟ هل يملك أحد الجرأة ليدفع ملكًا ويزاحمه بهذه الطريقة، أو يضع حبلًا حول عنقه ويخنقه؟ مَن غير رسل الله يمكنه أن يُظهر مثل هذا النموذج؟ ولكن، على الرغم من توزيعه كل هذه الأموال على الفقراء والمحتاجين، كان هناك أناس قساة القلوب لا يزالون يرون أن تقسيمة رسول الله ﷺ لم تكن عادلة.

كان منهج النبي ﷺ العام في توزيع الغنائم أن يفصل الخمس ويوزعه حسبما يراه مناسبا، بينما يُقسم الأربعة أخماس الباقية بين المشاركين في القتال، حيث كان للراجل نصيب وللراكب نصيبان أو ثلاثة. لكن في غزوة حنين، عندما أثار بعض الأنصار اعتراضًا بأن النبي ﷺ لم يعطهم شيئًا وأعطى الآخرين، يأتي السؤال: هل لم يعطِ النبي ﷺ المشاركين في الغزوة شيئًا من الغنائم؟ أم أعطاهم حصصهم فقط وقسم الباقي على الآخرين؟ الكتب التاريخية والسيرة الموثوقة لم تقدم إجابة واضحة تمامًا لهذا السؤال، لكن من دراسة هذه المصادر يمكن استنتاج ما يلي:

أولًا: يظهر أن النبي ﷺ أعطى جميع المشاركين في الغزوة حصصهم، حيث كان نصيب كل فرد أربعة جمال أو أربعين شاة، وأعطى الفرسان حصصهم حسب القاعدة .

ثانيًا: هناك إشارة إلى أن النبي ﷺ استخدم الخمس لتأليف قلوب المؤلفة قلوبهم، مثل سادات قريش وغيرهم من زعماء العرب.

وثالثًا: هناك احتمال آخر، وهو أن النبي ﷺ لم يوزع الغنائم على المشاركين في الغزوة وفق المنهج العام، بل قسمها كلها على الآخرين لتأليف قلوبهم.

 

وفي ختام الخطبة، ذكر أمير المؤمنين نصره الله بعض المرحومين وأعلن أنه سيصلي عليهم الغائب، وكان من بينهم الداعية الأول في رومانيا، السيد فهيم الدين، الذي أُوفِد إليها عام 2006، فتعلّم اللغة الرومانية، وسجّل الجماعة هناك، وربّاها تربية حسنة. وقد كان مصابًا بالسرطان، وأوصى أن يُدفن هناك، واعتبره أمير المؤمنين شهيدًا، إذ توفي وهو في خدمة الإسلام.