ملخص لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تلفورد في 28/11/2025



 بسم الله الرحمن الرحيم

نقدم لحضراتكم ملخصًا لخطبة الجمعة الأخيرة التي ألقاها سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) من المسجد المبارك في تلفورد، في الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، حيث قال:

الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك كانوا أربعة أصناف:

 

1- المحظوظون الذين أمرهم رسول الله ﷺ بالبقاء لأداء واجب شرعي، مثل: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن أم مكتوم، ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهم.

2- أصحاب الأعذار الشرعية من المرضى، والضعفاء، والفقراء وقد قال النبي ﷺ فيهم: «هم معنا في كل مكان»

3- المنافقون: الذين نزلت فيهم الآيات بالغضب الأبدي والوعيد الشديد إلى يوم القيامة.

4- الذين تخلَّفوا كسلًا لا نفاقًا، وهم ثلاثة من كبار الصحابة:

كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ رضي الله عنهم

 

يحدّث كعب بن مالك رضي الله عنه أنه لم يتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا غزوة تبوك، وكان قد تخلف عن بدر ولم يُعاتَب أحدا؛ ويقول: ما كنتُ أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفتُ عنه ﷺ في تلك الغزوة، وقد غزا النبي ﷺ في تبوك في حر شديد وسفر بعيد ومفازة وعدو كثير، فجلّى الأمر للمسلمين ليتهيأوا، وأخبرهم بوجهه، وكانوا كثيرين، وما من رجل يريد أن يتغيّب إلا ظنّ أنه سيخفى له ما لم ينزل وحي الله. وغزا رسول الله ﷺ حين طابت الثمار والظلال، وكان كعب يذهب ليتجهّز ثم يرجع بلا شيء ويقول: أنا قادر، فلم يزل يتمادى حتى خرج المسلمون فقال: أتجهز بعد يوم أو يومين وألحقهم، لكنه لم يقم بذلك.

وكان إذا خرج بين الناس بعد خروج النبي ﷺ لم ير إلا رجلًا متهمًا بالنفاق أو معذورًا من الضعفاء، ولم يذكره الرسول ﷺ حتى بلغ تبوك فقال: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلمة: حبسه بُرْدَاهَُ ونَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ. فقال معاذ: بئس ما قلت، ما علمنا عليه إلا خيرًا. وسكت النبي ﷺ.

ولما بلغ كعب أن النبي ﷺ قفل راجعًا بدأ يفكر في الكذب ويتساءل: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ واستعان بكل ذي رأي من أهله. فلما قيل إن النبي ﷺ أصبح قريبًا من المدينة، عرف كعب أن الباطل سيزول وأنه لن يخرج من سخطه بكذب، فعزم على الصدق.

دخل النبي ﷺ المسجد وصلّى ثم جلس للناس، فجاء المخلفون يعتذرون ويحلفون، وكانوا بضعًا وثمانين، فقبل علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله. ثم جاء كعب، فلما سلّم تبسّم النبي ﷺ تبسّم المغضب وقال: «تعال». فجلس بين يديه، فقال له: «ما خلّفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟» فقال كعب: لو جلست عند غيرك لرأيت أني أخرج من سخطه بعذر، ولكني علمت أني إن حدّثتك اليوم حديث كذب لترضى عني، يوشك الله أن يسخطك علي، وإن حدّثتك صدقًا تجدّ عليّ فيه، فإني أرجو عفو الله». ثم قال: «والله ما كان لي من عذر، وما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفتُ». فقال النبي ﷺ: «أما هذا فقد صدق. فقم حتى يقضي الله فيك».

خرج كعب، ولحقه رجال من بني سلمة يلومونه ويتمنون لو اعتذر كما اعتذر المتخلفون. فقال: حتى أردت أن أرجع فأكذّب نفسي، ثم سألهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، مرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وهما رجلان صالحان شهدا بدرًا، قال: فمضيت حين ذكروهما لي.

ونهى النبي ﷺ المسلمين عن كلام الثلاثة، فاجتنبهم الناس وتغيّروا لهم ولبثوا على ذلك خمسين ليلة. أما صاحباه فاستكانا وقعدا يبكيان، وأما كعب فكان أشدهم وأجلدهم، يشهد الصلاة ويطوف في الأسواق ولا يكلمه أحد. وكان يسلم على النبي ﷺ بعد الصلاة ويتفقد هل رد عليه أم لا. ثم يصلي قريبًا منه ويسارقه النظر؛ فإذا أقبل على صلاته أقبل إليه النبي، وإذا التفت نحوه أعرض عنه.

وطال عليه ذلك حتى ذهب إلى أبي قتادة ابن عمه وأحب الناس إليه، فتسور حائطه وسلم عليه، فلم يرد، فقال له مناشدًا: هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فكان يقول: الله ورسوله أعلم. ففاضت عينا كعب.

وبينما هو يمشي في السوق، جاء نبطي من أهل الشام يسأل عنه، ومعه كتاب من ملك غسان: «قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، فالحق بنا نواسِك». فقال كعب: وهذا أيضًا من البلاء، فأحرق الكتاب في التنور.

ومضت أربعون ليلة، فجاء رسول من رسول الله ﷺ يقول: إن النبي ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقال كعب: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، ولكن اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبيه بمثل ذلك. فأمر كعب امرأته أن تلحق بأهلها حتى يقضي الله. وجاءت امرأة هلال تستأذن أن تخدمه لأنه شيخ، فأذن لها النبي ﷺ بشرط ألا يقربها. فقال أهل كعب له: لو استأذنت النبي ﷺ في امرأتك. قال: لا ما يدريني ما يقول وأنا رجل شاب.

 

ومضت عشر ليال حتى كملت خمسون. وفي فجر اليوم الخمسين، وكان كعب على ظهر بيت وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت، إذ سمع صارخًا على جبل سلع: «يا كعب بن مالك أبشر». فخرّ ساجدًا، وعرف أن الفرج قد جاء. وكان النبي ﷺ قد أعلن توبة الله عليهم بعد الفجر. وانطلق الناس يبشرون الثلاثة. وسبق الصوت الفرس. فلما جاءه المبشّر نزع كعب ثوبيه وأعطاهما له، واستعار ثوبين وذهب إلى النبي ﷺ.

لقيه الناس فوجًا فوجًا يهنئونه. ودخل المسجد، فقام إليه طلحة يهرول فصافحه وهنّأه، ولم يقم إليه مهاجر غيره. ولما سلّم على النبي ﷺ قال له وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك». قال: أمن عندك أم من عند الله؟ قال: «بل من عند الله». فقال كعب: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله. فقال ﷺ: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك». فقال: أمسك سهمي بخيبر. ثم قال: إن الله نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. يقول كعب: فما تعمّدت كذبًا منذ ذاك، وأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت.

وأنزل الله: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى قَوْلِهِ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}

يقول كعب: ما أنعم الله عليّ نعمة بعد الإسلام أعظم من صدقي لرسول الله ﷺ؛ إذ لو كذبت لهلكت كما هلك الكاذبون الذين قال الله فيهم:

{سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}

ويقول: لم يكن قوله تعالى "وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا" بسبب تخلّفنا عن الغزو، بل بتخليفه ﷺ أمرنا وتأجيله الحكم فينا حتى قضى الله في شأننا.

 

وفي ختام الخطبة، أعلن أمير المؤمنين نصره الله أنه سيصلي الغائب على بعض المرحومين وذكر نبذة من حياتهم.